السيد هاشم البحراني
206
البرهان في تفسير القرآن
بأضعف خلقه ، وهو النمل ، لو رامته البخاتي من الإبل ما قدرت عليه » . فلما انتهى سليمان إلى وادي النمل ، قالت نملة : * ( يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وجُنُودُه وهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ) * إلى قوله تعالى : * ( فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ) * . وكان سليمان إذا قعد على كرسيه ، جاءت جميع الطير التي سخرها الله لسليمان ، فتظل الكرسي والبساط - بجميع من عليه - من الشمس ، فغاب عنه الهدهد من بين الطير ، فوقعت الشمس من موضعه في حجر سليمان ( عليه السلام ) ، فرفع رأسه ، وقال ، كما حكى الله : * ( ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ) * إلى قوله تعالى : * ( بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) * أي بحجة قوية ، فلم يمكث إلا قليلا ، إذ جاء الهدهد ، فقال له سليمان : « أين كنت ؟ » قال : * ( أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِه وجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) * ، أي بخبر صحيح * ( إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) * ، وهذا مما لفظه عام ، ومعناه خاص ، لأنها لم تؤت أشياء كثيرة ، منها : الذكر ، واللحية . ثم قال : * ( وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّه ) * إلى قوله تعالى : * ( فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ) * ، ثم قال الهدهد : * ( أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّه الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ ) * أي المطر ، وفي * ( الأَرْضِ ) * النبات . ثم قال سليمان : * ( سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) * إلى قوله تعالى : * ( ما ذا يَرْجِعُونَ ) * . فقال الهدهد : إنها في حصن منيع ، في سبأ * ( ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ) * أي سرير . قال سليمان : « الق الكتاب على قبتها » فجاء الهدهد ، فألقى الكتاب في حجرها ، فارتاعت من ذلك ، وجمعت جنودها ، وقالت لهم ، كما حكى الله : * ( يا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ) * أي مختوم ، * ( إِنَّه مِنْ سُلَيْمانَ وإِنَّه بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) * أي لا تتكبروا علي . ثم قالت : * ( يا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ ) * ، فقالوا لها ، كما حكى الله : * ( نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ والأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ ) * فقالت لهم : * ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً ) * . فقال الله عز وجل : * ( وكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) * « 1 » . ثم قالت : إن كان هذا نبيا من عند الله - كما يدعي - فلا طاقة لنا به ، فإن الله لا يغلب ، ولكن سأبعث إليه بهدية ، فإن كان ملكا يميل إلى الدنيا قبلها ، وعلمت أنه لا يقدر علينا . فبعثت إليه حقه « 2 » فيها جوهرة عظيمة ، وقالت للرسول : قل له يثقب هذه الجوهرة بلا حديد ، ولا نار . فأتاه الرسول بذلك ، فأمر سليمان بعض جنوده من الديدان ، فأخذ خيطا في فيه ، ثم ثقبها ، وأخرج الخيط من الجانب الآخر ، وقال سليمان لرسولها : * ( فَما آتانِيَ اللَّه خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها ) * أي لا طاقة لهم بها ، * ( ولَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وهُمْ صاغِرُونَ ) * « 3 » .
--> ( 1 ) النمل 27 : 18 - 34 . ( 2 ) الحقّة : وعاء من خشب ، وقد تسوّى من العاج . « أقرب الموارد - حقق - 1 : 215 » . ( 3 ) النمل 27 : 36 ، 37 .